حكايات البدايات // بنك مصر عندما قرر المصريون أن يكونوا سادة اقتصادهم
حكايات البدايات: بنك مصر... حلم الاستقلال الاقتصادي الذي تحول إلى صرح مصرفي عملاق

في عام 1920، وفي خضم معركة الاستقلال الوطني، ولدت فكرة جريئة في عقل رجل مصري طموح. كان محمد طلعت حرب باشا يحلم بمؤسسة مصرفية وطنية تكسر احتكار البنوك الأجنبية وتؤسس لنهضة اقتصادية مصرية خالصة.
البداية كانت بفكرة بسيطة لكنها ثورية: بنك يؤسسه المصريون، ويديره المصريون، ويخدم المصريين. وبدأت الحكاية بدعوة وجهها طلعت حرب للمستثمرين المصريين للمساهمة في تأسيس أول بنك مصري بالكامل، في تحدٍ صريح للهيمنة الأجنبية على القطاع المصرفي.
وفي 3 أبريل 1920، تم الإعلان عن تأسيس بنك مصر برأسمال قدره 80 ألف جنيه مصري، جُمع بالكامل من مساهمات المصريين. كان المقر الأول للبنك متواضعاً في شارع محمد فريد بوسط القاهرة، لكنه حمل حلماً كبيراً.
لم يكن بنك مصر مجرد مؤسسة مصرفية، بل كان نواة لنهضة صناعية شاملة. فخلال السنوات الأولى، أسس البنك شركات في مجالات متنوعة: النسيج، والسينما، والطيران، والتأمين، ليصبح أول صرح اقتصادي متكامل يديره المصريون.
وفي مفارقة تاريخية لافتة، واجه البنك في بداياته مقاومة شديدة من البنوك الأجنبية التي حاولت إفشاله، لكن ثقة المصريين في مشروعهم الوطني كانت أقوى. فتدفق المودعون المصريون لإيداع أموالهم في بنكهم الوطني، حتى أصبح البنك في غضون سنوات قليلة قوة مالية لا يستهان بها.
كان من أبرز إنجازات بنك مصر في سنواته الأولى إصدار أول أسهم مصرية باللغة العربية، في خطوة رمزية عبرت عن هوية المشروع الوطنية. كما كان البنك سباقاً في توظيف المصريين وتدريبهم على العمل المصرفي، في وقت كانت فيه البنوك الأجنبية تحتكر هذا المجال.
واليوم، وبعد أكثر من مائة عام على تأسيسه، يقف بنك مصر شامخاً كواحد من أكبر المؤسسات المصرفية في المنطقة، بأصول تتجاوز التريليون جنيه، وشبكة فروع تمتد عبر مصر والعالم العربي.
يحكي تاريخ بنك مصر قصة نجاح وطنية ملهمة، ويجسد حلم جيل آمن بقدرة المصريين على المنافسة والنجاح. وما زال البنك حتى اليوم يحمل شعار “بنك مصر ملك الشعب”، ليذكرنا بأن أعظم النجاحات تبدأ بحلم وطني صادق.
وتستمر مسيرة بنك مصر في كتابة فصول جديدة من النجاح، محافظاً على روح البدايات ومواكباً لتطورات العصر، ليظل شاهداً على قدرة المصريين على صنع التاريخ وبناء المستقبل.