
حين تدخل إلى سوق الشوق الشعبي في مدينة غازي عنتاب التركية، تشعر أنك تنتقل من عالمك اليومي إلى عالم آخر ينبض بالحياة، عالم تتداخل فيه روائح الفستق والتوابل مع أصوات النحاس والحرفيين. يقع السوق في قلب المدينة، وسط أزقة قديمة تحمل ذاكرة تعود لعقود طويلة، وتبدو وكأنها ما زالت تحرس تاريخ المكان وروحه الأصيلة.
منذ خطوتي الأولى داخل السوق بدأ المشهد يتشكّل أمامي كلوحة حيّة. الأرض المرصوفة بالحجارة القديمة تهتز بخطوات المارة، وروائح الفلفل الأحمر والزعتر والكمون تتدفق من المحلات على شكل نسمات متلاحقة. وبين كل بائع وآخر، يمتد عبق الفستق العنتابي الذي تشتهر به المدينة، كأنه توقيع عطري يرافق الزائر طوال رحلته.
على اليمين ظهرت محلات النحاس التقليدية، تتلألأ فيها الأواني المنقوشة بدقة وكأنها قطع فنية. أحد الحرفيين، رجل وقور في الستينيات، كان ينقش على صينية نحاسية بحركات متوازنة تُحدث رنيناً يشبه الموسيقى. توقف قليلاً، ابتسم وقال إن هذا العمل ليس مجرد مهنة بل هو إرث يتناقله أهل غازي عنتاب جيلاً بعد جيل. في عينيه رأيت تقديراً عميقاً للمكان ولحرفته.
تابعت السير حتى وصلت إلى عالم التوابل والحلويات. هنا تتحدث الروائح قبل الكلمات: الفلفل العنتابي الشهير بلونه الأحمر القاني، الزعتر برائحته الجبلية، والسماق بلمسته الحمضية. لكن الفستق العنتابي يبقى البطل الحقيقي للمشهد. محلات كاملة تعرضه بنوعياته المختلفة، حبات خضراء براقة تعكس خصوبة الأرض العنتابية وتميّزها.
وقفت طويلاً أمام محل للبقلاوة مشهور في السوق. الصواني الذهبية تعلوها طبقات رقيقة من العجين وبينها كميات سخية من الفستق المحمّص. طلبت قطعة، وما إن تذوقتها حتى شعرت بانسجام ساحر بين الحلاوة وقرمشة الفستق ونكهته العميقة. كانت لقمة تختصر تاريخ مدينة كاملة.
وبينما أتنقل بين المحلات، كانت أصوات الباعة تصنع موسيقى أخرى. نداءات ملونة باللهجة العنتابية، ومساومات هادئة بين الزوار والتجار. وفي عمق السوق، لفتني مقهى شعبي صغير يجلس فيه رجال مسنون يلعبون الطاولة ويتبادلون الأحاديث.
قررت الدخول إليه. رائحة القهوة الثقيلة سبقتني، واختلطت برائحة الخشب القديم. جلست على كرسي خشبي بسيط بينما النادل، رجل لطيف بملامح هادئة، سألني عن طريقة تقديم القهوة. اخترت أن تكون سادة كما يشربها أهل المدينة. بعد دقائق عاد بفنجان صغير مزخرف، على صينية نحاسية تلمع بخجل تحت ضوء المصابيح. عندما أمسكت الفنجان شعرت بدفئه يتسلل إلى يدي، وفي أول رشفة شعرت بمرارة محببة تحمل طابعاً تراثياً أصيلاً. كان طعم القهوة عميقاً، راسخاً، يشبه طباع أهل السوق في صدقها وصلابتها. وبين رشفات القهوة، كنت أستمع إلى صوت أحجار الطاولة وهي تُطرق بنغمة متناسقة، وإلى أحاديث الرجال التي تحمل حكمة الأيام.
بعد استراحة القهوة، عدت للتجول في الأزقة الضيقة. رأيت صانع السكاكين العنتابية الشهيرة، يشرح بفخر تفاصيل صنع كل قطعة، وكيف تُشحذ لتكون دقيقة وقوية. وفي زاوية أخرى، كان خياط عجوز يداعب قماشه بإبرة حادة، يعمل بصبر يجعل من الخياطة أشبه بفن راقٍ.
مع اقتراب الغروب، تغيّر وجه السوق. الشمس بدأت تلقي خيوطاً ذهبية على الأحجار القديمة، والأضواء بدأت تشتعل لتمنح المكان رونقاً دافئاً. اشتريت بعض الهدايا قبل المغادرة: كيساً من التوابل، علبة فستق، وقطعة نحاسية منقوشة تحمل اسم غازي عنتاب.
وعندما توقفت عند آخر السوق ونظرت خلفي، شعرت أنني أغادر مكاناً نابضاً بروح لا تشبه أي مكان آخر. سوق الشوق الشعبي ليس مجرد وجهة للتسوق، بل هو رحلة تغني الحواس، تجمع بين عبق الفستق وصوت النحاس وروح الحرف الشعبية.
إنه المكان الذي يجعل الزائر يشعر أنه عاش جزءاً من قصة غازي عنتاب، قصة لا تزال تُروى كل يوم بين يدَي الحرفيين وأصوات الباعة ورائحة المقاهي القديمة.







