
تعد القهوة في مدينة غازي عنتاب أكثر من مجرد مشروب يومي، فهي جزء من روح المدينة وتراثها الشعبي الذي ما زال محافظاً على أصالته رغم تطور الزمن. في المقاهي القديمة المنتشرة داخل الأزقة والأسواق التاريخية، يجتمع السكان والزوار حول فناجين صغيرة تحمل نكهات متعددة تروي حكايات المكان وتفاصيله.
في قلب المدينة تبقى القهوة التركية التقليدية الأكثر حضوراً وشهرة. تُعد على نار هادئة داخل ركوة نحاسية، وتقدم بدرجات مختلفة من السكر حسب رغبة الزبون. وتمتاز القهوة العنتابية بقوة نكهتها وكثافة قوامها، وهي نتيجة خبرة طويلة في تحميص البن واختيار أجود أنواعه. وغالباً ما تُطحن القهوة أمام الزبائن في الأسواق الشعبية، ما يملأ المكان برائحة محمّصة تميز هوية السوق.
ورغم تمسك غازي عنتاب بتقاليدها العريقة، فإنها لم تغفل عن الابتكار في نكهات القهوة. وتبرز القهوة بالفستق كواحدة من أشهر الإضافات الجديدة التي لاقت انتشاراً واسعاً بين الزوار. حيث يُطحن الفستق العنتابي الناعم ويُخلط مع البن قبل الغلي، ليمنح المشروب نكهة فريدة تمتزج فيها حرارة القهوة برائحة الفستق العميقة. ويعد هذا النوع رمزاً يجمع بين شهرة المدينة بالفستق وحب أهلها للقهوة.
كما اكتسبت القهوة بالبندق شهرة كبيرة في المقاهي الحديثة والقديمة على حد سواء. ويقوم صانعوها بطحن البندق المحمص وخلطه بنسبة دقيقة مع البن، لينتج فنجاناً أقل مرارة وأكثر نعومة من القهوة التركية التقليدية. ويعتبرها الكثيرون الخيار الأمثل لمحبي الطعم الخفيف والنكهة السلسة.
ولا يمكن إغفال القهوة المرة التي ما زالت حاضرة بقوة في جلسات كبار السن. فهي تُقدم بلا سكر نهائياً، ويُنظر إليها على أنها القهوة الأكثر أصالة لأنها تكشف مذاق البن الحقيقي دون إضافات. وتُقدم عادة في الجلسات الطويلة واللقاءات العائلية التي تحمل طابعاً اجتماعياً قديماً.
وتظل المقاهي الشعبية في غازي عنتاب مساحة نابضة بالحياة، حيث تتداخل رائحة القهوة مع أصوات الباعة وحركة المارة لتشكّل مشهداً يومياً يعبر عن روح المدينة. هنا لا تُعد القهوة فقط مشروباً، بل طقساً اجتماعياً ومناسبة للحديث وتبادل الأخبار، وذاكرة تتجدد كل يوم في هذا المكان العريق.
وبين الفستق والبندق والتحميص التقليدي، تبقى القهوة العنتابية عنواناً لنكهة لا تشبه سواها، تحمل في كل فنجان عبق الماضي وروح مدينة تنبض بالحياة.







