
في مدينة غازي عنتاب، حيث تختلط رائحة الفستق المحمّص مع عبق الأسواق القديمة، تولد واحدة من أروع تحف المطبخ التركي على الإطلاق: البقلاوة. ليست مجرد حلوى، بل قطعة فنّ تُحضر بمهارة يدويّة تشبه رقصة متقنة بين العجين والفستق والسمن والقطر. هنا، في هذه المدينة النابضة بالحياة، تصبح البقلاوة لغة خاصة يفهمها الجميع، وتفصيل صغير من حياة يومية مليئة بالنكهة والجمال.
تبدأ قصة البقلاوة من ورشة صغيرة، حيث يقف الحرفيون أمام طاولات رخاميّة يفردون عليها العجين إلى أوراق رقيقة للغاية، حتى تكاد الطبقة الواحدة تشبه صفحة ضوء. كل ورقة تُفرد بعناية، تُرفع برفق، ثم تُرص فوق أختها في تناغم يعطي الحلوى قوامها الطبقي الشهير. وبين هذه الطبقات تُخفي غازي عنتاب سرّها الأغلى: الفستق العنتابي، الذي يضفي على البقلاوة لوناً أخضر جذاباً ونكهة لا تُشبه أي فستق آخر في العالم.
وعندما تدخل صواني البقلاوة إلى الفرن، تبدأ المرحلة الأكثر سحراً. يتفاعل السمن الحيواني مع العجين والفستق، فينتج ذلك اللون الذهبي الذي يميّز البقلاوة العنتابية. وما إن تخرج الصواني حتى تُسقى بقطر خفيف يتسلل بين الطبقات ليمنح الحلوى توازناً مثالياً يجعلها مقرمشة من الخارج، وطريّة من الداخل، وغنية في كل لقمة.
وتتعدد أنواع البقلاوة في غازي عنتاب، لكنّ لكل نوع طابعه الخاص. فهناك البقلاوة التقليدية ذات الطبقات المستقيمة، والصينية المدوّرة التي تلتف حول الفستق بانسيابية، والبورما ذات القرمشة الفريدة، إضافة إلى أنواع محشوة بالجوز لمحبي النكهات القوية. ومع تطور المطبخ التركي، ظهرت أنواع مبتكرة مثل البقلاوة بالشوكولاتة، لكنها تبقى مجرد تجارب مقارنةً بجمال البقلاوة بالفستق التي تظل الملكة دون منازع.
ولم يكن هذا الإرث ليمر دون اعتراف عالمي؛ فالبقلاوة العنتابية أصبحت جزءاً من التراث الثقافي غير المادي المسجل لدى اليونسكو، تقديراً لفنون صناعتها التي لم تتغير كثيراً عبر الزمن. واليوم، يقصد آلاف الزوار غازي عنتاب فقط ليأكلوا البقلاوة من مصدرها الأصلي، وليشاهدوا الحرفيين وهم يبدعون في تشكيلها.
وفي مقاهي المدينة، تُقدّم البقلاوة عادة مع فنجان قهوة تركية سادة، في انسجام مثالي يجمع بين الحلاوة العميقة ومرارة القهوة الهادئة. إنها تلك اللحظة التي يتوقف فيها كل شيء، ويشعر الزائر أنه يعيش تجربة تركية خالصة، بمذاق لا يمكن تقليده في أي مكان آخر.
البقلاوة العنتابية ليست مجرد حلوى، بل رحلة قصيرة إلى قلب تراث تركي عريق. لقمة منها تكفي لتشعر أنك تسافر بين الزمن والنكهة، وتفهم لماذا يقول أهل غازي عنتاب: من لم يتذوق بقلاوتنا، لم يزر تركيا بحق.







