عقار نيوز

الرهان على العقار: هل يمثل أعلى مراحل النضج المؤسسي أم مغامرة محسوبة ؟

في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية وتغير موازين الربحية بين القطاعات، أصبح توجه الشركات متعددة الأنشطة نحو القطاع العقاري ظاهرة لافتة تستحق التوقف والتحليل.

فبعد سنوات من العمل في مجالات إنتاجية وخدمية متنوعة، تتجه العديد من الكيانات الكبرى إلى العقار باعتباره رهانًا استراتيجيًا طويل الأجل، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يعكس هذا التوجه أعلى مراحل النضج المؤسسي، أم أنه مغامرة محسوبة ؟

يُنظر إلى النضج المؤسسي على أنه المرحلة التي تمتلك فيها الشركة رؤية واضحة، وهيكلًا إداريًا متماسكًا، وقدرة على إدارة المخاطر وتنويع مصادر الدخل.

ومن هذا المنطلق، فإن دخول القطاع العقاري لا يأتي عادة في المراحل الأولى من عمر الشركات، بل بعد تراكم الخبرات، وتعزيز القاعدة الرأسمالية، وبناء سمعة قوية في السوق.

العقار هنا لا يُعامل كنشاط سريع العائد، بل كأصل استراتيجي قادر على حفظ القيمة وتحقيق استدامة مالية على المدى الطويل.

العديد من الشركات التي بدأت في قطاعات مثل المقاولات، البنية التحتية، الطاقة، أو الصناعة، تجد في العقار امتدادًا طبيعيًا لمسارها. فالخبرة الهندسية، وإدارة المشروعات الكبرى، والتعامل مع الجهات التنظيمية، كلها عناصر تمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية عند الانتقال إلى التطوير العقاري.

كما أن العقار يتيح لها الانتقال من نموذج الإيرادات التشغيلية قصيرة الأجل إلى نموذج بناء الأصول وتعظيم القيمة.

وما أعلنته مدكور القابضة بالأمس كنموذج يعكس هذا التحول المدروس، حيث انطلقت من مجالات المقاولات والبنية التحتية والطاقة، قبل أن تتوسع إلى القطاع العقاري. هذا التوجه لم يكن تخليًا عن الأنشطة الأساسية، بل تنويعًا استراتيجيًا يهدف إلى موازنة المخاطر وتعزيز الاستقرار المالي، مستفيدًا من قاعدة خبرات واسعة ونظام إداري قادر على إدارة مشروعات معقدة وطويلة الأجل.

مع ذلك، لا يخلو الرهان على العقار من التحديات. فالقطاع يتطلب رؤوس أموال ضخمة، ودورات استثمارية طويلة، وقدرة عالية على قراءة السوق وتغيراته، إضافة إلى التأثر بعوامل مثل أسعار الفائدة والسياسات التنظيمية.

وهنا يظهر الفارق بين النضج المؤسسي الحقيقي والمغامرة غير المحسوبة.

في المحصلة، يمكن القول إن التوسع في القطاع العقاري، عندما يتم ضمن رؤية واضحة واستراتيجية متكاملة، يعكس بالفعل مرحلة متقدمة من النضج المؤسسي للشركات متعددة الأنشطة.

أما في غياب هذه الرؤية، فقد يتحول العقار من رهان ذكي إلى عبء ثقيل في زمن تتزايد فيه التحديات .

زر الذهاب إلى الأعلى