٧٠٠ فرع بنهاية ٢٠٢٥ // هل يعيد البنك الأهلي المصري تعريف دور البنوك الوطنية كقاطرة للتنمية المستدامة عبر الشمول المالي والتحول الرقمي في مصر؟

لم يعد الحديث عن دور البنوك في الاقتصادات الحديثة مقتصرًا على جمع الودائع ومنح الائتمان، بل تجاوز ذلك ليشمل أدوارًا تنموية واجتماعية وتكنولوجية متشابكة. وفي السياق المصري، يبرز البنك الأهلي المصري كنموذج لافت لهذا التحول، خاصة مع اتجاهه الواضح إلى توسيع شبكة فروعه لتصل إلى نحو 700 فرع، بالتوازي مع تبني سياسات داعمة للشمول المالي والتحول الرقمي. هذا التوجه يطرح تساؤلًا تحليليًا عميقًا حول ما إذا كان البنك الأهلي يعيد بالفعل صياغة مفهوم البنك الوطني، ليصبح محركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة، وليس مجرد مؤسسة مالية تقليدية.
إن التوسع الجغرافي للبنك الأهلي لا يمكن قراءته باعتباره رقمًا أو إنجازًا إداريًا فحسب، بل يجب النظر إليه كخيار استراتيجي يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في مصر. فوجود فروع مصرفية في المحافظات الحدودية والمناطق الريفية والمجتمعات الأقل حظًا يعني الاقتراب من المواطن في موقعه الحقيقي، وكسر الحواجز التي طالما منعت فئات واسعة من التعامل مع الجهاز المصرفي. ومن هنا، يصبح الفرع البنكي أداة للدمج الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد نقطة لتقديم خدمة مالية.
ويأتي الشمول المالي في قلب هذه الرؤية، باعتباره المدخل الأهم لتحقيق تنمية اقتصادية أكثر عدالة واستدامة. فحين يتمكن الأفراد من فتح حسابات بنكية، والحصول على خدمات ادخارية وتمويلية، تتغير علاقتهم بالاقتصاد، ويتحولون من أطراف هامشية إلى فاعلين حقيقيين. والبنك الأهلي، من خلال انتشاره الواسع، يراهن على هذا التحول، واضعًا نصب عينيه دمج شرائح جديدة مثل صغار التجار، وأصحاب الحرف، والمرأة المعيلة، والشباب، في المنظومة المصرفية الرسمية.
لكن السؤال الأعمق هنا هو ما إذا كان هذا التوسع قادرًا بالفعل على إحداث أثر تنموي طويل الأمد، أم أنه سيظل محصورًا في إطار تقديم خدمات تقليدية بصيغة أوسع. المؤشرات الحالية توحي بأن البنك الأهلي يسعى إلى السيناريو الأول، حيث يربط بين التوسع في الفروع وبين دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعد العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى للنمو المستدام. فتمويل هذه المشروعات لا يخلق فقط فرص عمل، بل يعزز الإنتاج المحلي، ويقلل الاعتماد على الواردات، ويدعم الاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يتقاطع دور البنك الأهلي مع توجهات الدولة المصرية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة. فالبنك، باعتباره أحد أعمدة الجهاز المصرفي، لا يعمل بمعزل عن السياسات العامة، بل يشكل أداة تنفيذية فعالة لها. ومن خلال توجيه موارده وخبراته نحو القطاعات ذات الأولوية، يساهم في تحويل الرؤى التنموية إلى واقع ملموس، سواء في البنية التحتية، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الخدمات.
غير أن التوسع الجغرافي وحده لم يعد كافيًا في عصر التحول الرقمي، وهو ما يبدو أن البنك الأهلي يدركه بوضوح. فالعالم يتجه نحو نماذج مصرفية تعتمد على التكنولوجيا، وتقلل من الاعتماد على النقد، وتعيد تشكيل علاقة العميل بالبنك. ومن هنا، فإن الجمع بين الانتشار المادي للفروع وتطوير الخدمات الرقمية يمثل معادلة دقيقة، لكنها ضرورية. فالفروع تتحول من كونها مجرد أماكن لإجراء المعاملات، إلى منصات للتوعية المالية، وتقديم الحلول الرقمية، ومساعدة العملاء على الانتقال إلى نمط مصرفي أكثر حداثة.
ويطرح هذا الدمج بين الشمول المالي والتحول الرقمي سؤالًا تحليليًا آخر يتعلق بمدى قدرة البنك الأهلي على إدارة هذا التحول دون خلق فجوة جديدة بين من يمتلكون المهارات الرقمية ومن يفتقرون إليها. فالتكنولوجيا، رغم كونها أداة تمكين، قد تتحول إلى عامل إقصاء إذا لم تُصاحب بجهود حقيقية للتدريب والتثقيف. وهنا يبرز دور العنصر البشري داخل البنك، سواء من حيث كفاءة العاملين، أو قدرتهم على التواصل مع العملاء بلغة بسيطة ومفهومة، تراعي الفروق الثقافية والتعليمية.
إن الاستثمار في الكوادر البشرية يمثل أحد أهم أبعاد هذه الاستراتيجية الشاملة. فالتكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن الإنسان، وجودة الخدمة المصرفية تظل عاملًا حاسمًا في بناء الثقة. والبنك الأهلي، من خلال تطوير موظفيه وتأهيلهم، يسعى إلى تقديم نموذج مصرفي يجمع بين الاحترافية والبعد الإنساني، وهو ما يعزز من قبول المواطنين للتعامل مع البنوك، ويقوي العلاقة بينهم وبين المؤسسة المصرفية.
ومن زاوية تحليلية أوسع، يمكن النظر إلى تجربة البنك الأهلي باعتبارها اختبارًا لقدرة البنوك الوطنية على التكيف مع المتغيرات العالمية، دون التفريط في دورها الاجتماعي. فبين ضغوط المنافسة، وتسارع الابتكار التكنولوجي، وتزايد توقعات العملاء، يصبح الحفاظ على التوازن بين الربحية والمسؤولية المجتمعية تحديًا معقدًا. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن البنك الأهلي يحاول صياغة نموذج خاص، يستند إلى حجمه، وتاريخه، ودوره الوطني، ليقدم تجربة مصرفية مختلفة.
وفي النهاية، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كان البنك الأهلي المصري قادرًا على تحويل هذا التوسع وهذه التوجهات إلى نموذج مستدام قابل للتطوير والتكرار، لا داخل مصر فقط، بل كخبرة يمكن الاستفادة منها إقليميًا. فنجاح هذا النموذج يعني أن البنوك الوطنية يمكن أن تكون فاعلًا مركزيًا في التنمية، وليس مجرد وسيط مالي. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في الاستمرارية، والقدرة على مواكبة التغيرات، وضمان أن تظل احتياجات المواطن في قلب كل قرار مصرفي. هذا السؤال، بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل العمل المصرفي ودوره في بناء اقتصاد أكثر شمولًا واستدامة.







