الروادعقار نيوز

الجيل الثالث يقود التحول الرقمي في الشركات العائلية… والقطاع العقاري في صدارة المشهد

تشهد الشركات العائلية المصرية تحولًا لافتًا مع صعود الجيل الثالث إلى مواقع صنع القرار، في مرحلة تعيد رسم ملامح الإدارة داخل هذه الكيانات التي تأسس معظمها قبل عقود. فبعد سنوات طويلة من الاعتماد على الإدارة المركزية والعلاقات الشخصية واتخاذ القرار داخل نطاق ضيق من أفراد الأسرة، بدأ نموذج أكثر مؤسسية واحترافية يفرض حضوره، مدفوعًا بأبناء الجيل الجديد الذين تلقوا تعليمًا حديثًا واكتسبوا خبرات دولية، وأصبحوا أكثر ميلًا إلى تطبيق مبادئ الحوكمة ووضع هياكل تنظيمية واضحة والاعتماد على مؤشرات أداء قابلة للقياس.

هذا التحول لم يعد يقتصر على تطوير الهياكل الإدارية، بل امتد ليشمل تبني التكنولوجيا كأداة رئيسية لإعادة هيكلة الأعمال. فقد بدأت شركات عائلية عديدة في تطبيق أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية، وأدوات تحليل البيانات، ومنصات البيع الإلكتروني، إلى جانب إنشاء إدارات متخصصة في التسويق الرقمي وخدمة العملاء وسلاسل الإمداد الذكية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن السوق بات أكثر تنافسية، وأن بطء القرار أو غياب البيانات لم يعد مقبولًا في ظل صعود شركات ناشئة تعتمد بالكامل على التكنولوجيا وتتحرك بمرونة أعلى وتكلفة أقل.

ويبرز القطاع العقاري كأحد أبرز المجالات التي يظهر فيها هذا التحول بوضوح. فقد نشأ عدد كبير من شركات التطوير العقاري في مصر في إطار عائلي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى كيانات كبرى ذات طابع مؤسسي. ومع انتقال القيادة إلى الجيل الثالث، تغيرت آليات العمل داخل هذه الشركات، حيث أصبح الاعتماد أكبر على الدراسات السوقية الدقيقة، وتحليل البيانات في تحديد مواقع المشروعات وأنواعها، والتوسع في التسويق الرقمي، وإدارة المشروعات عبر أنظمة تكنولوجية متطورة، فضلًا عن إدماج مفاهيم الاستدامة والمدن الذكية ضمن خطط التطوير.

ويضم السوق المصري عددًا من الشركات العقارية البارزة التي تمثل نماذج لهذا التطور، من بينها مجموعة طلعت مصطفى، وبالم هيلز للتعمير، وسوديك، ومدينة مصر، وأورا للتطوير العقاري، ولافيستا، وحسن علام للتطوير. كما تبرز على المستوى الإقليمي شركات مثل إعمار العقارية والدار العقارية وداماك وروشن، كنماذج لتحول الشركات الخاصة أو العائلية إلى مؤسسات كبرى ذات انتشار واسع.

ورغم الزخم الذي يشهده مسار التحديث، لا يخلو المشهد من تحديات، في مقدمتها مقاومة بعض القيادات التقليدية لفكرة التغيير، وصعوبة الانتقال من ثقافة تعتمد على الخبرة الشخصية والعلاقات المباشرة إلى منظومة قائمة على الحوكمة والبيانات والمؤشرات. كما يتطلب التحول استثمارات كبيرة في البنية التكنولوجية وتطوير الكفاءات، خاصة في قطاع مثل العقارات يعتمد على إدارة مشروعات معقدة ورؤوس أموال ضخمة.

في المقابل، تشير التجارب إلى أن الشركات التي استطاعت الجمع بين خبرة المؤسسين ورؤية الجيل الجديد أصبحت أكثر قدرة على التوسع والاستمرار. فمعادلة النجاح لم تعد ترتكز فقط على السمعة المتراكمة ورأس المال، بل باتت تقوم على الابتكار وسرعة التكيف مع المتغيرات، والقدرة على استشراف المستقبل. وبين جيل أسس الأعمال بالاجتهاد، وجيل يسعى إلى تطويرها بأدوات العصر، تقف الشركات العائلية، خصوصًا في القطاع العقاري، أمام مرحلة حاسمة قد تعيد تشكيل خريطة المنافسة خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى